الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

التعامل مع الله سبيل النجاة


التعامل مع الله سبيل النجاة
بقلم الأستاذ / محمد الشحات
موقفنا اليوم موجه لــ:
-      لكل من يريد أن يكون حسن الدين
-      لكل غيور على دينه وحريص على نصرة دعوته
-      لكل من لا يريد أن يأتي بوم القيامة فيجد عمله هباء منثورا
تمهيد :
- إن  الإخلاص هو حقيقة الدين ولب العبادة وشرط قبول العمل، وهو بمنزلة الأساس للبنيان وبمنزلة الروح للجسد ، ولذا فهناك من يأتي يوم القيامة وحاله كما بين سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ وهذا الإبطال والإحباط نصيب كل من لم يخلص العمل لله تعالى وقصد غيره قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُون ` أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
- وموقفنا اليوم يبين بجلاء أن الإسلام استطاع أن يخرج من أبنائه أبطالاً عمالقة، سادوا وقادوا، وفعلوا المكارم، ومع ذلك لم يتباهوا بما فعلوا، ولم يفخروا بما قدّموا، بل أنكروا ذواتهم وكتموا أعمالهم، وابتغوا وجه ربهم الذي لا يُضيِّع أجر من أحسن عملاً، والذي يعلم السر والنَّجوى: " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ".
وهذا موقف من مواقف البطولة الخالدة، ومعرض من معارض الجندية المجهولة، يتألق في تاريخ الإسلام والعرب؛
- القصة في "عيون الأخبار: لابن قتيبة
" فقد كان مَسلمة بن عبد الملك رحمه الله تعالى القائد الأموي المشهور أميرًا على جيش من جيوش الدولة الأموية التي قدَّمَت ما قدَّمَت في نصرة العروبة وتوطيد الدولة العربية المسلمة. اتجه مسلمة بن عبد الملك ومعه جيش قوي قوامه أكثر من مائة وعشرين ألف جندي إلى بلاد الروم؛ ليفتتح عاصمة الروم القسطنطينية آنذاك والتي تسمى اليوم اسطنبول، وتقع الآن في الشمال الغربي من تركيا، وكانت هذه العاصمة عاصمة قوية جداً، وقد استعصت على مسلمة بن عبد الملك ولم يستطع أن يفتحها ، ولكن الله يسر فتحها على يدي محمد الفاتح القائد العثماني المظفر.
  وعندما اتجه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية كان في طريقه مجموعة كبيرة من المدن والقرى والمناطق الشاسعة التي يمتلكها النصارى ففتحها مدينة مدينة، وبلدة بلدة، ثم توقف عند حصن كان ذا بناية قوية، وحصانة شديدة، وجنوده كثيرون ومدربون وأشداء، فبدأ الجيش الإسلامي في الحصار واستمر الحصار فترة من الزمن ولكنه لم يسقط! وحينها حاول مع مجموعة من البنائين أن يحفروا حفرة في هذا الحصن، فحفروا فتحةً يدخل منها الرجل أو الرجلان، ولكن من الشجاع القوي الذي يدخل من هذه الفتحة ويقاتل ويقاتل إلى أن يصل إلى الباب ويفتحه، فهذا عمل لا يستطيع أحد أن يفعله إلا الشجعان الذين باعوا حياتهم لله تعالى؛
    فحرض الأمير مَسلمة جنده على التضحية والإقدام ، فتقدم من وسط الجيش جندي ملثم غير معروف وقذف بنفسه إلى جهة الحصن غير مبال بسهام الأعداء ولا خائف من الموت؛ فدخل النقب وقاتل وضارب مع كل اتجاه حتى وصل إلى الباب ففتحه فاستسلم أهل الحصن وسلموا أنفسهم  ..
وفرح مسلمة بذلك كثيرًا، ونادى في وسط الجيش: أين صاحب النقب؟ فلم يجبه أحد، فقال مسلمة: إني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي فعزمت عليه (أي حلفت) ألا جاء. وكان يريد أن يخصه بجزء من الغنائم ويمجده.
وبعد فترة ، جاء هذا الرجل المحتسب المجاهد المُتَسَِتّر وهو يحمل في ذاكرته جيدا أن رجلاً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر (أي ليرتفع ذكره) والرجل يقاتل ليُرى مكانه (أي ليشتهر بالشجاعة) فمَنْ في سبيل الله؟ فأجاب الرسول: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وكأنه كان يتذكر أيضًا أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "يا عبد الله إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا".
المهم جاء إلى حاجب مسلمة وقال له " استأذن لي على الأمير" فقال له الحاجب: أأنت صاحب النقب؟ فأجاب أنا أخبركم عنه..
واستأذن له الحاجب على الأمير، فلما صار بين يديه قال له: إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثة شروط هي:
-      ألا تسودوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة
-      وألا تسألوه مِنْ أي البلاد هو
-       وألا تأمروا له بشيء
 قال مسلمة: فذلك له. فقال الرجل في استحياء: أنا صاحب النقب! ثم ولى مسرعًا، فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها قائلاً: اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة!!"


بهذا الصنف المبارك تُرزق الأمة وتُنصر.
 إنهم أناس يسيرون على الأرض وارتقت قلوبهم حتى ارتبطت بخالقها ، وارتفعت جباههم حتى لامست السحب ، هدفهم واضح.. رضا الله وفقط لا غير!!
   يود الواحد منهم لو تنشقُّ الأرض وتبتلعُه ولا يراه أحد من البشر وهو يعبد الله أو يدعو إليه .. وبعضنا يتفاخر بل يجاهر بمعاصيه وبطغيانه لا يستحي من الله ولا من خلقه؟!           
***  هذه الحادثة تكرر شبيه لها في حصار اليمامة التي تقع على مقربة من الرياض الآن ؛ فقد حدثت هناك معركة قوية جداً عندما قام خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ومعه الصحابة ومن معهم بحصار مسيلمة في حديقته المحصنة المسورة، فاستعصت عليهم وما استطاعوا أن يفتحوها، فقام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ضعوني على ترس وارفعوني إلى الأعلى وسأقفز عليهم وأقاتلهم إلى أن أفتح لكم، وفعلاً قفز على جدار الحديقة ثم نزل عليهم كالصاعقة وبدأ يقاتل ويقاتل ويحارب ويضرب مع كل اتجاه إلى أن وصل إلى الباب ففتحه ثم دخل المسلمون وقضوا على جند مسيلمة، وكانت النتيجة أن البراء بن مالك لم يبق في جسده منطقة إلا وفيها طعنة أو ضربه أو جرح أو غير ذلك حتى إن الصحابة مكثوا شهراً كاملاً يمرضونه نتيجة لذلك، فقد أبدى رضي الله عنه بطوله عجيبة غريبة نفتقدها اليوم.
---------------------
المستفاد من الموقف:
1-بالإخلاص يتحقق النصر:
*- فقد روى البخاري والنّسائي وغيره عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
 أَبِيهِ رضي الله عنه أنَّه ظنَّ أنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ مِنْ
 أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا: بِدَعْوتِهِمْ، وَصَلاَتِهِمْ، وَإِخْلاَصِهِمْ).                                                              
 فعلى الذين يحملون الرسالة ، ويقودون الأمة إلى الخير ويرفعون راية الإصلاح، أن ينطلقوا خفافًا وثقالاً في ميادين العمل المبرور، والسعي المشكور؛ لينصروا مبادئهم، ويخدموا بلادهم، واثقين أن المعروف لا يذهب بين الله والناس " وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ".
2- الإخلاص في النية يعطيك أجر المجاهدين:
*-ذهب قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: يا رسول الله، نريد أن نخرج معك في غزوة تبوك، وليس معنا متاع ولا سلاح. ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعينهم به، فأمرهم بالرجوع؛ فرجعوا محزونين يبكون لعدم استطاعتهم الجهاد في سبيل الله، فأنزل الله -عز وجل- في حقهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة: { {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ }
 فلما ذهب صلى الله عليه وسلم للحرب قال لأصحابه: (إن أقوامًا بالمدينة خلفنا ما سلكنا شِعْبًا ولا واديا إلا وهم معنا فيه (يعني يأخذون من الأجر مثلنا)، حبسهم (منعهم) العذر) [البخاري].
3- المخلص يبتعد عنه الشيطان
ونجد ذلك فيما حكاه القرآن الكريم على لسان الشيطان: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين}.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق