بقلم الأستاذ / محمد الشحات
حاطب بن أبي بلتعة نموذجا
موقفنا اليوم موجه لـــ :
-
لكل من يتسرع في الحكم على الناس
-
لرؤساء العمل
-
للقادة والمسئولين
موقفنا بعنوان : لا تنس
السابقة محسن البلاء
نحن اليوم مع قصة آية :
لصحابي جليل ، شهد رضي الله عنه بدراً وأحد
والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الرماة الموصوفين...
، ولد رضي الله عنه قبل الهجرة بخمس وثلاثين سنة . كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها.
صلته بالزبير بن العوام جعلته يقتفي أثره و يسلمُ قديماً...
لما جاء عبدٌ لهذا
الصحابي الجليل يشكوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ليدخلن النار ، أي هذا الصحابي
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية" إنه حاطب بن أبى بلتعة
القصة في البخاري
عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ،
وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ ، فَقَالَ :
" انْطَلِقُوا حَتَّى
تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا
صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ " ،
قَالَ : فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قُلْنَا : أَيْنَ الْكِتَابُ
الَّذِي مَعَكِ ؟ قَالَتْ : مَا مَعِيَ كِتَابٌ ، فَأَنَخْنَا بِهَا ،
فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا ، فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا ، فَقَالَ صَاحِبَايَ :
مَا نَرَى كِتَابًا ، قَالَ : قُلْتُ : عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ
الْكِتَابَ أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنِّي أَهْوَتْ
بِيَدِهَا إِلَى حُجُزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ ، فَأَخْرَجَتِ
الْكِتَابَ ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَقَالَ :" مَا حَمَلَكَ يَاحَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟"
قَالَ: مَا لِي أَلا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَكِنِّي
أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ
مَالِي ، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ
بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ،قَالَ:" صَدَقَ فَلا تَقُولُوا لَهُ إِلا
خَيْرًا "، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ،فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَقَالَ:" يَا
عُمَرُ، وَمَايُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ
بَدْرٍ،فَقَالَ:اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ
"،قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ،فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
الآيات التي نزلت فى قصة
هذا الصحابي:
((
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم
مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي
تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا
أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ* إِن
يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ* لَن تَنفَعَكُمْ
أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))
----------
-
لقد اعتبر بعض العلماء هذه الآية فيها تزكية لحاطب- رضي الله عنه- لأن في ذلك
شهادة له بالإيمان.
- وكانت هذه الآية ـ تمهيداً بين يدي فتح مكة،
حيث حث الله المسلمين على عدم موالاة الكفار، حتى لا يتأثر المهاجرون بروابط القربى
وبعض المصالح التي كانت تربط كثيراً منهم بأهل مكة.
فكان الله يريد تربية هذه
النفوس بالأحداث والمواقف، ومن هنا جاءت
حادثة حاطب ـ رضي الله عنه، للاستفادة من دروسها
فكيف تعامل معها المصطفى
الأمين لنستخلص بعض العبر؟
أولاً: التحري الدقيق وعدم الأخذ بالشبهات:
وهذا ما أراده النبي- صلى الله عليه وسلم-
حين أرسل بعض الصحابة لإحضار الخطاب من المرأة. فلقد أعلمه ربه بالحقيقة والجميع
على يقين من ذلك ولكنه الدرس الذي أرادنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن نتعلمه، فلا
بد من التحري الدقيق وعدم الأخذ بالشبهات وأن تكون البينة على من ادعى،
فإذا كان ذلك من الصادق المصدوق فإنه ممن
دونه أولى وأوجب.
ثانيًا: عدم التسرع في إصدار الأحكام:
لقد أرسل النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ لحاطب وسأله، ليتثبت منه ويستمع له، ويعرف
عذره، في مصارحة ووضوح، ويعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه، فقال له رسول الله
( يا حاطب ، ما هذا؟ )
وما كان- صلى الله عليه وسلم- في حاجة لذلك ولكنه القدوة- صلى الله عليه وسلم- يرسم لنا الطريق. لنستمع
جيدًا من صاحب المشكلة وليقل ما يريد ليدافع عن نفسه ويبرر ما قام به من
عمل- من وجهة نظره - دون الحجر عليه.
ثالثًا: إقالة ذوي
العثرات :
فالخطأ الذي اقترفه هذا الصحابي الجليل ليس بالخطأ اليسير، إنه كشف
أسرار الدولة المسلمة لأعدائها، ثم هذا الصحابي ليس من عوام الصحابة، بل هو من أولي
الفضل منهم، إنه من أهل بدر، ويكفيه هذا شرفًا، والصحابة بمجموعهم خير
القرون بقول الرسول ـ صل الله عليه وسلم ـ، ومع كل هذا زلت به القدم في لحظة من اللحظات، وكم للنفس البشرية من زلات،
وهذا من سمات الضعف البشري
والعجز الإنساني، ليُعْلِم الله عباده المؤمنين بأن البشر ما داموا ليسوا رسلاً ولا ملائكة
فهم غير معصومين من الخطأ، وهذا الذي عناه النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ بقوله: ( كل بني آدم خطاء،وخير الخطائين التوابون)أحمد
رابعًا: عدم نسيان الفضل والسبق:
فإذا أخطأ إنسان فلا بد أن يقَدَّر الخطأُ
بقدره ، خصوصًا إذا كان له فضل وسبق. فقد عامل النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ حاطبا ـ رضي الله عنه ـ معاملة رحيمة ، وجعل
- صل الله عليه وسلم
- من ماضي حاطب سبباً في
العفو عنه، وهو منهج تربوي حكيم وذلك بقوله لعمر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال:
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ).
فلم ينظر النبي - صل الله عليه وسلم - إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب ـ وإن
كانت كبيرة ـ، وإنما راجع رصيده الماضي ، فوجد أنه قد شهد بدراً، وفي هذا
توجيه للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرة متكاملة
قال ابن
القيم : " من
قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت،
فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء
إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث." .
ويقول الذهبي : " إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر
صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وعرف صلاحه وورعه ، يغفر له زلته، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له
التوبة من ذلك
.."
خامسا : أدب الصحابة مع النبي ـ
صل الله عليه وسلم
فعمر
ـ رضي الله عنه ـ يقترح على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل حاطب ، وله ما يبرر
هذا الطلب، ولكن النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ يرد عليه بأنه من أهل بدر، فما
أن سمع هذه الإجابة حتى سكت دون
أن يردد كلمة واحدة، أو أن يجادل في رأيه ويصر عليه، كما لم ينقل في الروايات جميعها
أي رد من صحابي
آخر غير عمر ، مما يدل على أدب المسلمين مع النبي عليه السلام.
سادسا : أهمية الاستماع إلى الرأي المخالف، ومحاولة
إقناعه
وذلك في مراجعة عمر ـ رضي الله عنه ـ للنبي
ـ صل الله عليه وسلم ـ
بقوله: ( إنه خان الله ورسوله
والمؤمنين )، واستماع النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ له، ورده عليه بقوله عن حاطب :(
صدق، لا تقولوا له إلا خيرا
)،ومرة أخرى: ( لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم،
فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم )، ولم يعنف النبي عمر لأنه خالفه، مع أنه
رسول مؤيد بالوحي .
سابعا : يقين الصحابة بصدق ونبوة النبي
وذلك من قولهم للمرأة حينما لم
يجدوا معها الكتاب في أول الأمر: ( ما كذب رسول الله ـ صل الله عليه وسلم ـ، لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب)
ثامنا : وفي قصة
حاطب ـ رضي الله عنه ـ أيضا، نجد أنفسنا أمام معجزة من معجزاته ـ صلى الله
عليه وسلم
فقد أعلمه الله ـ
عز وجل ـ بما فعله حاطب ، فقد
نفذ الصحابة أمر النبي ، فأمسكوا بالمرأة في الموضع الذي حدده النبي ـ
صل الله عليه وسلم ـ،
ومعها الكتاب الذي أشار إليه.
قال ابن حجر : " .. من أعلام النبوة إطْلاع الله نبيه على قصة
قال ابن حجر : " .. من أعلام النبوة إطْلاع الله نبيه على قصة
حاطب مع المرأة " .