الاثنين، 5 نوفمبر 2012

من صدق الله صدقه الله


من صدق الله صدقه الله  
بقلم الأستاذ / محمد الشحات
           الأعرابي الصادق المصدَّق نموذجا
لمن يوجه هذا الموقف :
1-           للدعاة والمصلحين
2-           لمن يتصدرون المجالس
3-           لأئمة الخير فى كل موقع
------------------
 إن عمادَ نجاح دعوة الإسلام - بعد تأييد الله تعالى – معقود بحال من يحملها ، فلا تنجحُ الدعوة أبدا ما لم يتجردْ لها المؤمنون بها ، فتأخذَ عليهم لُبَّهم وكلَّ مشاعرهم ، وتكون هي كل حاضرَهم ومستقبلَهم، ، فإن تكلَّموا ففيها، وإن عملوا فلها، وإن ساروا سارت معهم، وحيث وُجدت لا تفارقهم ولا يفارقونها.
   والتجرد للدعوة هو تجرد للخير فى أسمى معانيه ، وهو من سمات الملائكة المقربين، كما قال صاحب الإحياء: قال تعالى فيهم:{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
  -  ولماذا لا نتجرد للفكرة الإسلامية وهى أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها:"صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ".
  - ولعل ذلك هو مقصد سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه لفعل ( جَرَدَ ) لما قال : (جردوا القرآن …. ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يخرج من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة). أخرجه ابن أبي شيبة.
    ومعنى " جردوا القرآن" أي : لا تلبسوه شيئا آخر ينافيه !!!
** موقفنا اليوم هو نموذج للتجرد فريد:
    في هذا النوذج ، نرى صورة من روائع التجرد لله، وصورة رجاله الذين صدقوا الله فصدقهم،{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً - لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فنالوا الجنة عن موقف تجردت فيه قلوبهم لله تمام التجرد، دون سابقة أعمال مأثورة أو تاريخ دعوي تليد، فقط دخلوا الجنة بوقفة وقفوها.
الموقف:        رواه  النسائي : وصححه الألباني
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الأعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ:  أُهَاجِرُ مَعَكَ. فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  بَعْضَ أَصْحَابِهِ..
فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ،فَقَالَ:مَا هَذَا ؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  .
فَأَخَذَهُ،فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:مَا هَذَا ؟!
قَالَ – صلى الله عليه وسلم - : "  قَسَمْتُهُ لَكَ " .
قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ!وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا-  وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ !
فَقَالَ النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ " .
فَلَبِثُوا قَلِيلاً، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَهُوَ هُوَ  ؟ ! "   قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ :" صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ ".. ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ:"اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ"
(1)-  * فانظر كيف كانت بداية هذا الأعرابي، من أول يوم أسلم فيه: - لقد كان بادئ أمر هذه الأعرابي: إيمان، واتباع، وهجرة، وجهاد .. ! – " فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ:  أُهَاجِرُ مَعَكَ"
-جاهد نفسه في الإيمان، فأحسن الاعتقاد
-وجاهد نفسه في الإتباع، فأحسن التأسي بخاتم الأنبياء
-وجاهد نفسه في الهجرة، فهجر الشهوات والشبهات
(2)-* جائزة التجرد:
وكانت جائزة هذا الأعرابي المتجرد عبارة عن حزمة من التكريمات النبوية والتشريفات المحمدية،:
الأولى: أن صدّقه رسول الله –، فقال: " صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ ".
الثانية: أن كفنه النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جُبَّته.
الثالثة: أن قدَّمه النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى عَلَيْهِ .
الرابعة: أن دعا له النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ" .
الخامسة : أن شهد له النبي بالشهادة، قال:"فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ" .
** لماذا التجرد؟
ترجع أهمية التجرد إلى:
1- خطورة المرحلة:
     بعد الثورة ، نحن في حاجة ماسة إلى القلوب المتجردة الموصولة بالله، التي لا تعمل من أجل الصدارة فى أي مجال دعوي كان أم نيابي أم نقابي أم غيره، أو ابتغاء الظهور الذي يقصم الظهور. كلا ! بل المتجرد حاله هو الذى أشار إليه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: " طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة وإن كان فى الساقة كان فى الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع". البخاري
2 أقرب طريق للوصول للقلوب:
    يوم يتنزه الناصح والداعي عن المطامع وحطام الدنيا تعلو مكانته عند الناس، ويعظم قدره في عيونهم، ويرون صدق إخلاصه، فيكون لذلك أثره في القبول: } إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ }
** حال المتجرد:
    قال المتنبي مخاطبًا نفسه:   
تُرِيدينَ إتيانَ المعالي رخيصةً ** ولا بد دون الشهدِ من إبْرِ النَّحلِ
-       وهذه بعض من أحوال المتجردين :
1- إتقان العبادة:
فلا يمُنُّ بعبادته على أحد.
2- الارتفاع عن الانتصار لذاته :
    فلا ينتهز الفرص لتصفية الحسابات ممن خالفه فى رأى أو مشورة، ويقتدي فى ذلك بأمير المؤمنين على – رضى الله عنه – عندما  علا بسيفه على رجل من أهل الشرك في معركة مع الأعداء، فسبه الرجل وبصق في وجهه، فأمسك عليٌّ سيفه وتركه، فقيل لم؟ قال: خشيت أن أنتصر لنفسي فلا أكون قتلته ابتغاء مرضات الله!
3- علو الهمة :
 خرَج قتيبةُ بن مسلم في الشمال تجاه كابل بأفغانستان، ووصل إلى تلك المشارف، ولما صف قتيبة بن مسلم الجيش وقابله الكفار قال قبل المعركة:التمسوا لي محمد بن واسع العابد الزاهد، فأتوا وإذا محمد بن واسع قد توضأ واتكأ على رمحه، ورفع سبابته إلى السماء يتمتم ويدعو الحي القيوم بالنصر،فعادوا وأخبروا قتيبة بن مسلم فتهلل وجهه وقال: والله الذي لا إله إلا هو! لأصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من مائة ألف سيفٍ شهير ومائة ألف بطل طرير( ذوطُرّةٍ وهيئةٍ حسنَةٍ وجَمال)
بدأت المعركة ونصر الله المسلمين، وانتهت المعركة وقدمت الغنائم من الذهب والفضة إلى قتيبة بن مسلم ، وكان يرى الكُتُل من الذهب والفضة والجواهر والكنوز تقدم إليه، فكان يقول للقواد: أترون أن أحداً من الناس يعطى هذا فيرده؟ قالوا: لا ما نرى أحداً من الناس يعطى شيئاً من الذهب والفضة ثم يرده، قال: والله لأرينكم رجالاً من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- الذهب والفضة عندهم أقل وأرخص من التراب، فقال: عليَّ بـ محمد بن واسع.
  - فهو يؤمن بقول حبيبه : " ازهد فى الدنيا يحبك الله وازهد فيما فى أيدي الناس يحبك الناس ". رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
 ومن هنا قرأنا في تاريخنا قصة ذلك الذي عثر على حق من الجوهر الغالي الثمين في القادسية ، فقدمه إلى الأمير طائعا ، فعجب من أمانته وقال: (إن رجلا يتقدم بمثل هذا لأمين , ما اسمك؟ حتى أكتب به إلى أمير المؤمنين فيجزل عطاءك ، ويعرف اسمك) فقال الرجل:(لو أردت وجه أمير المؤمنين ما جئت بهذا،وما وصل علمه إليك ولا إليه،ولكن أردت وجه الله الذي يعلم السر وأخفى،وحسبي علمه ومثوبته).وانصرف ولم يذكر اسمه، وآثر ما عند الله على ما عند الناس.
   -----------------------------
 بهذه المعاني السامية ، والأخلاق المتينة تنتصر الدعوات وتتحقق الأمنيات وننال رضا رب البريات . أسأل الله أن يرزقنا التجرد فى أسمى معانيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق