الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

التعامل مع الله سبيل النجاة


التعامل مع الله سبيل النجاة
بقلم الأستاذ / محمد الشحات
موقفنا اليوم موجه لــ:
-      لكل من يريد أن يكون حسن الدين
-      لكل غيور على دينه وحريص على نصرة دعوته
-      لكل من لا يريد أن يأتي بوم القيامة فيجد عمله هباء منثورا
تمهيد :
- إن  الإخلاص هو حقيقة الدين ولب العبادة وشرط قبول العمل، وهو بمنزلة الأساس للبنيان وبمنزلة الروح للجسد ، ولذا فهناك من يأتي يوم القيامة وحاله كما بين سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ وهذا الإبطال والإحباط نصيب كل من لم يخلص العمل لله تعالى وقصد غيره قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُون ` أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
- وموقفنا اليوم يبين بجلاء أن الإسلام استطاع أن يخرج من أبنائه أبطالاً عمالقة، سادوا وقادوا، وفعلوا المكارم، ومع ذلك لم يتباهوا بما فعلوا، ولم يفخروا بما قدّموا، بل أنكروا ذواتهم وكتموا أعمالهم، وابتغوا وجه ربهم الذي لا يُضيِّع أجر من أحسن عملاً، والذي يعلم السر والنَّجوى: " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ".
وهذا موقف من مواقف البطولة الخالدة، ومعرض من معارض الجندية المجهولة، يتألق في تاريخ الإسلام والعرب؛
- القصة في "عيون الأخبار: لابن قتيبة
" فقد كان مَسلمة بن عبد الملك رحمه الله تعالى القائد الأموي المشهور أميرًا على جيش من جيوش الدولة الأموية التي قدَّمَت ما قدَّمَت في نصرة العروبة وتوطيد الدولة العربية المسلمة. اتجه مسلمة بن عبد الملك ومعه جيش قوي قوامه أكثر من مائة وعشرين ألف جندي إلى بلاد الروم؛ ليفتتح عاصمة الروم القسطنطينية آنذاك والتي تسمى اليوم اسطنبول، وتقع الآن في الشمال الغربي من تركيا، وكانت هذه العاصمة عاصمة قوية جداً، وقد استعصت على مسلمة بن عبد الملك ولم يستطع أن يفتحها ، ولكن الله يسر فتحها على يدي محمد الفاتح القائد العثماني المظفر.
  وعندما اتجه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية كان في طريقه مجموعة كبيرة من المدن والقرى والمناطق الشاسعة التي يمتلكها النصارى ففتحها مدينة مدينة، وبلدة بلدة، ثم توقف عند حصن كان ذا بناية قوية، وحصانة شديدة، وجنوده كثيرون ومدربون وأشداء، فبدأ الجيش الإسلامي في الحصار واستمر الحصار فترة من الزمن ولكنه لم يسقط! وحينها حاول مع مجموعة من البنائين أن يحفروا حفرة في هذا الحصن، فحفروا فتحةً يدخل منها الرجل أو الرجلان، ولكن من الشجاع القوي الذي يدخل من هذه الفتحة ويقاتل ويقاتل إلى أن يصل إلى الباب ويفتحه، فهذا عمل لا يستطيع أحد أن يفعله إلا الشجعان الذين باعوا حياتهم لله تعالى؛
    فحرض الأمير مَسلمة جنده على التضحية والإقدام ، فتقدم من وسط الجيش جندي ملثم غير معروف وقذف بنفسه إلى جهة الحصن غير مبال بسهام الأعداء ولا خائف من الموت؛ فدخل النقب وقاتل وضارب مع كل اتجاه حتى وصل إلى الباب ففتحه فاستسلم أهل الحصن وسلموا أنفسهم  ..
وفرح مسلمة بذلك كثيرًا، ونادى في وسط الجيش: أين صاحب النقب؟ فلم يجبه أحد، فقال مسلمة: إني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي فعزمت عليه (أي حلفت) ألا جاء. وكان يريد أن يخصه بجزء من الغنائم ويمجده.
وبعد فترة ، جاء هذا الرجل المحتسب المجاهد المُتَسَِتّر وهو يحمل في ذاكرته جيدا أن رجلاً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر (أي ليرتفع ذكره) والرجل يقاتل ليُرى مكانه (أي ليشتهر بالشجاعة) فمَنْ في سبيل الله؟ فأجاب الرسول: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وكأنه كان يتذكر أيضًا أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "يا عبد الله إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا، بعثك الله مرائيًا مكاثرًا".
المهم جاء إلى حاجب مسلمة وقال له " استأذن لي على الأمير" فقال له الحاجب: أأنت صاحب النقب؟ فأجاب أنا أخبركم عنه..
واستأذن له الحاجب على الأمير، فلما صار بين يديه قال له: إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثة شروط هي:
-      ألا تسودوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة
-      وألا تسألوه مِنْ أي البلاد هو
-       وألا تأمروا له بشيء
 قال مسلمة: فذلك له. فقال الرجل في استحياء: أنا صاحب النقب! ثم ولى مسرعًا، فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها قائلاً: اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة!!"


بهذا الصنف المبارك تُرزق الأمة وتُنصر.
 إنهم أناس يسيرون على الأرض وارتقت قلوبهم حتى ارتبطت بخالقها ، وارتفعت جباههم حتى لامست السحب ، هدفهم واضح.. رضا الله وفقط لا غير!!
   يود الواحد منهم لو تنشقُّ الأرض وتبتلعُه ولا يراه أحد من البشر وهو يعبد الله أو يدعو إليه .. وبعضنا يتفاخر بل يجاهر بمعاصيه وبطغيانه لا يستحي من الله ولا من خلقه؟!           
***  هذه الحادثة تكرر شبيه لها في حصار اليمامة التي تقع على مقربة من الرياض الآن ؛ فقد حدثت هناك معركة قوية جداً عندما قام خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ومعه الصحابة ومن معهم بحصار مسيلمة في حديقته المحصنة المسورة، فاستعصت عليهم وما استطاعوا أن يفتحوها، فقام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ضعوني على ترس وارفعوني إلى الأعلى وسأقفز عليهم وأقاتلهم إلى أن أفتح لكم، وفعلاً قفز على جدار الحديقة ثم نزل عليهم كالصاعقة وبدأ يقاتل ويقاتل ويحارب ويضرب مع كل اتجاه إلى أن وصل إلى الباب ففتحه ثم دخل المسلمون وقضوا على جند مسيلمة، وكانت النتيجة أن البراء بن مالك لم يبق في جسده منطقة إلا وفيها طعنة أو ضربه أو جرح أو غير ذلك حتى إن الصحابة مكثوا شهراً كاملاً يمرضونه نتيجة لذلك، فقد أبدى رضي الله عنه بطوله عجيبة غريبة نفتقدها اليوم.
---------------------
المستفاد من الموقف:
1-بالإخلاص يتحقق النصر:
*- فقد روى البخاري والنّسائي وغيره عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
 أَبِيهِ رضي الله عنه أنَّه ظنَّ أنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ مِنْ
 أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا: بِدَعْوتِهِمْ، وَصَلاَتِهِمْ، وَإِخْلاَصِهِمْ).                                                              
 فعلى الذين يحملون الرسالة ، ويقودون الأمة إلى الخير ويرفعون راية الإصلاح، أن ينطلقوا خفافًا وثقالاً في ميادين العمل المبرور، والسعي المشكور؛ لينصروا مبادئهم، ويخدموا بلادهم، واثقين أن المعروف لا يذهب بين الله والناس " وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ".
2- الإخلاص في النية يعطيك أجر المجاهدين:
*-ذهب قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: يا رسول الله، نريد أن نخرج معك في غزوة تبوك، وليس معنا متاع ولا سلاح. ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعينهم به، فأمرهم بالرجوع؛ فرجعوا محزونين يبكون لعدم استطاعتهم الجهاد في سبيل الله، فأنزل الله -عز وجل- في حقهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة: { {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ }
 فلما ذهب صلى الله عليه وسلم للحرب قال لأصحابه: (إن أقوامًا بالمدينة خلفنا ما سلكنا شِعْبًا ولا واديا إلا وهم معنا فيه (يعني يأخذون من الأجر مثلنا)، حبسهم (منعهم) العذر) [البخاري].
3- المخلص يبتعد عنه الشيطان
ونجد ذلك فيما حكاه القرآن الكريم على لسان الشيطان: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين}.

السبت، 27 أكتوبر 2012

كيف تكسب معدوما ؟


كيف تكسب معدوما ؟  
بقلم الأستاذ / محمد الشحات
هذا الموقف المضيء موجه لـــ : 
1-صناع القرار
2-أصحاب الأعمال ورجال الإقتصاد
3-القائمين على الجمعيات الأهلية
4-العاطلين عن العمل
-لقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى لتشغيل البطالة وإيجاد فرصة عمل تكفيه ذل السؤال. ففى هذه الرواية حوَّل الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل من سائل إلى منتج.
القصة :
   قد روى أنس ابن مالك "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ (كساء بلى ظهر البعير يفرش تحت القتب) نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ (أي ألقه) إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَفَعَلَ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَدَّ فِيهِ عُودًا بِيَدِهِ وَقَالَ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ: اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ (أي نقطة ) فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ (أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقع وهو التراب )أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ"( هو أن يتحمل دية يؤديها إلى أولياء المقتول فإن لم يؤدها قتل المحتمل عنه فيوجعه قتله )(سنن ابن ماجه:2189)،
فما الدروس من الحديث؟
وبدراسة هذه الخطة في مكافحة البطالة (ورسول الله هو الأسوة الحسنة) نجد أنه طلب من العاطل عن العمل:
(1)- أن يقدم شيئاً يصلح للبيع أي طلب منه التمويل أو المشاركة فيه قبل كلِّ شيء. (: لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْء)                            
- وهنا أوجد الرسول رأس مال المشروع من السائل نفسه  حتى يحافظ الرجل على رأس مال المشروع.
 (2)- وعندما لم يكن ما قدمه كافياً، طلب من جماعة المسلمين
 المساهمة دون إحراج بطريقة البيع بالمزاد العلني ليُحصِّل أكبر قدْر ممكن من التمويل، ودون بخسٍ لقيمة البضاعة التي يملكها العاطل عن العمل.( مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟)                         
-هنا تمت المساعدة الخفية للرجل،حيث بيع الحلس والقعب بأكثر من سعره المعتاد(لذلك تردد الصحابة أن يشتروه بدرهمين).   
ومن هنا أُخذت مشروعية المزايدة
 (3)- لقد وثِقَ رسول الله بالعاطل عن العمل فأعطاه قيمة أصوله التي بِيْعت ليتدبر أمره بالشكل الذي سيرسمه له.( وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ)
 (4)- طلب منه أن يكفي عائلته أوَّلاً ، (اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ)                                                                    
- وهنا راعى الرسول صلى الله عليه وسلم الاحتياجات العاجلة
 للرجل وهي الطعام والشراب. وهذا أن الجانب الاجتماعي مقدَّم
 على ما سِواه، وأن الإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا اطمأن على أهله
(5)علَّمه الاقتصاد بضرورة توجيه قسم من الثروة نحو الاستثمار
 وذلك بشراء الأصول المنتجة حيث طلب منه شراء أدوات ولوازم العمل، ولم يقم هو أو أحد من أصحابه بذلك.( وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ)
(6)- ساعده في تجميع أدواته وتهيئتها لتصبح أكثر جاهزية للعمل بأن شدَّ عوداً بيديه الشريفتين.( فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَدَّ فِيهِ عُودًا بِيَدِهِ) ، أي عاونه في إنشاء المشروع ليشعره بالاهتمام بالأمر.
(7)- علّمه الدورة الاقتصادية: وذلك بأن حوّل أصوله لسيولة نقدية ثم اشترى أدواته الإنتاجية ثم طلب منه العمل وبذل الجهد (بقوله: اذهب) ثم التحويل الصناعي (بقوله: احتطب) ثم تحويل البضاعة إلى نقد بالبيع (بقوله: بِع).
 -وهنا اختار الرسول مشروعا مناسبا لإمكانيات الرجل
(8)- أعطاه مهلة زمنية معقولة لمعرفة جدوى هذا العمل وما سيعود عليه به من نفع ( وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)                     
(9)-  المتابعة للمشروع (فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ.. ).
(10)-  بعد التدقيق في نتائج عمله والحكم بأنه نافع ومُجدٍ نَصحه ومَدحه وشَجّعه.( اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
(11)- حذَّره من السؤال وبيَّن له أن السؤال لا يجوز إلا لثلاثة: ذي فَقرٍ مُدقعٍ أو غُرمٍ مُفظع أو دَمٍ مُوجعٍ.( إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ)


وأخيرا نقول :                                                  
** لقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة نحو العمل والسعي على الرزق: عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ )) صحيح البخاري                                          
-ولم يسجل التاريخ أن مهاجراً أخذ شيئاً من أنصاري ، بل كانت قولتهم المشهورة: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق.
 - وقد امتهن الأنبياء مهنا وحرفا عديدة فمنهم من مارس التجارة مثل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومنهم من مارس الحدادة مثل نبي الله داوود عليه السلام ومنهم من قام برعي الغنم كنبي الله موسى عليه السلام ومنهم من كان بنَّاء مثل نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام                                               
- وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم صناعات وحرف عديدة: سئل رسول الله:" أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" (رواه أحمد) ومدح الزراعة قائلا " ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة) ( رواه البخاري)

الأحد، 21 أكتوبر 2012

هل من مشمر للجنة؟!


 هل من مشمر للجنة؟!
بقلم الأستاذ / محمد الشحات
حارثة بن سراقة نموذجا
موقفنا موجه لــ :
1-           لكل من يطلب الجنة ويشتاق إليها ، جعلنا الله من أهلها
2-           للشباب الباحث عن العلا والمكارم
3-           للأمهات الراغبات في ما عند الله بحسن تربية أبنائهم
---------------
    موقف اليوم لشاب  اعتنق الإسلام صغيراً ، فكان من الرعيل الأول ، الذي عاصر زمن النبوة ، وعاش عصر الرسالة ، شاهد وجه الحبيب عليه الصلاة والسلام ، وتربى بين يديه وصحبه . فنهل من ينابيع الوحي الصافي ، واغترف من معين الإسلام ، وذاق طعم الإيمان ، ونمى وترعرع على مائدة القران. أول شهيد ببدر
     لأبيه صحبة واستشهد يوم حنين ، وأمه : الربَيِّع بنت النضر الصحابية الجليلة،عمه أنس بن مالك خادم رسول الله.
- إنه حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن النجار الأنصاري
القصة:
     لحارثة حادثة عجيبة ذكرها أصحاب السير وأصلها في صحيح البخاري ... وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس للخروج إلى بدر ، فلما دعاهم إلى ذلك جاء حارثة رضي الله عنه إلى أمه ... وكانت عجوزا قد كبر سنها ، تحبه كأشد ما تحب الأمهات أبنائهن ،تخاف عليه من نسيم الريح إذا مر به ، تخاف عليه من حر الشمس إذا وقف فيها ولو شيئا يسيرا ، وكان حارثة رضي الله عنه ذا علاقة متينة بأمه وكان بها باراً ، فلما وقف بين يديها وهو الذي لو طلب روحها التي بين جنبيها لأعطته إياها ، فلما وقف بين يديها ،                                   هل جعلت ترجوه أن يتزوج كي ترى أولاده ؟ كلا
لما وقف قال لها : يا أماه ...
فقالت له ما تريد يا بني ....
قال : يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس للخروج إلى القتال وأني خارج معهم ....
فقالت: يا بني إني والله ليشتد علي فراقك .. يا بني فكن عندي ولا تذهب ....
فمازال بها يرجوها ، يقبل رأسها ، يقبل يديها ورجليها ،حتى أذنت له
فقالت : اذهب يا بني ، فوالله  ما أظني أذوق نوما،ولا أتلذذ بطعام ولا شراب حتى ترجع إلي
ثم ألبسته ثيابها بيدها ، وشدت عليه سلاحه ،وقبلت جبينه ،ثم انصرف        
 - خرج حارثة إلى بدر رغم حداثة سنه وقلة خبرته في القتال ، فلما وصل المسلمون إلى بدر، عسكروا عند بئر بدر ، فلما عسكروا ، بدأت فلول الكفار يحضر أولهم ثم اجتمعوا حتى حضر آخرهم ثم كاد أن يبدأ القتال ، فلما تصاف الجيشان ، عمد حارثة رضي الله عنه ،إلى بئر بدر ، فقد أصابه عطش ،فأراد أن يشرب ماء ، فلما وضع يديه في البئر وأراد أن يخرج ماء يبل به هذا العطش ، فإذا بصحابي رجل مسلم من بني النجار، وهو حِبَّانُ ابْنُ الْعَرِقَةِ ،الذى كان يحرس البئر يرميه بسهم، حيث ظنه واحدا من الكفار يريد أن يؤذي المسلمين أو يضع شيئا يضرهم في الماء، فوقع السهم في نحره ، فصاح حارثة من حر ما وجد ، ثم وقع على الأرض ، فصاح بالناس أغيثوني ، فلم يغثه أحدا ، إذ قد ظنوه من الكفار ، ثم حاول أن يخرج هذا السهم ،فإذا بجسده يتقطع مع السهم ، ثم سبح في دمائه ، ولا زال كذلك حتى مات،فلما مات أقبل إليه ذلك الحارس ينظر إلى خبره ، فإذا هو حارثة ابن سراقة ، فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ...فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فعفي عنه     
ثم لما رجعوا إلى المدينة ،أقبلت جموع المؤمنين ،كان النساء والأطفال والعجائز ينتظرون عند مدخل المدينة في حر هذه الشمس،النساء تنتظر أزواجها ،والأطفال ينتظرون آباءهم، والعجائز تنتظر أولادها ، وكان من بين هؤلاء الجموع ،عجوز ثكلى تنتظر مقدم ولدها ، فلما دخل المسلمون المدينة ،بدأ الأطفال يتسابقون إلى آبائهم ،والنساء تسرع إلى أزواجها ،والعجائز تسرع إلى أولادها ، وأم حارثة تنتظر إقبال ولدها ،أقبلت الجموع تتتابع ،جاء الأول ثم الثاني ثم الثالث، والعاشر ، والمائة  والمائتان ،ولم يحضر حارثة ابن سراقة ....وأم حارثة تنظر وتنتظر... إقبال فلذة كبدها ، وثمرة فؤادها ،تسأل عنه كل غاد ورائح ،فلم تره بين هذه الجموع ، فأمسكت واحدا من الصحابة القادمين ،
ثم قالت له : أتعرف حارثة بن سراقة
قال : نعم ما تكونين له
.
فقالت له : أنا أمه ... أنا أم حارثة    .
قال: أنت أم حارثة ؟
قالت : نعم
فقال: احتسبي ولدك لقد قتل ،فلما سمعت قتل ، تذكرت الجنة وما أعد الله للشهداء فيها
فقالت : الله أكبر ، شهيد يشفع لي بالجنة
فقال لها : شهيد؟، ما أظنه شهيدا             
قالت: لم؟ ما قتله الكفار؟
فقالت : ما قتل وهو يرفع راية الإسلام ويذب عن حماه ؟
قال : لا
فقالت: إذا كيف قتل؟ أين ولدي حارثه؟ ...
قال: إن ولدك حارثه قد قتل قبل أن تبدأ المعركة ، والذي قتله رجل من المسلمين ، وإن ولدك حارثه لم يحضر شيئا من القتال ...
قالت: ماذا تعني؟؟؟ ولدي حارثة ليس شهيدا ؟؟
فرد عليها : ما أظنه شهيدا ! ولكن لعل الله أن يدخله الجنة...
.
فلما سمعت العجوز ذلك قالت: أين رسول الله ؟؟
فقال لها : هو ذاك مقبل ...
فتحركت الأم الثكلى تجر خطاها ، فلما وقفت بين يديه صلى الله عليه وسلم قال: من؟؟
فقالت له : أنا أم حارثه.
فقال لها :ما تردين يا أم حارثه؟
فقالت : يا رسول الله ، قد علمت بحبي لحارثه ،وقد علم الناس بحبي لحارثه ، يا رسول الله قد بلغني أن حارثة قد قتل ، يا رسول الله أخبرني أين حارثة الساعة ؟؟ الآن أخبرني أين ولدي؟؟ إن كان في الجنة صبرت وإن كانت الأخرى فليريَن اللهُ ما أصنع ، تعني من النياحة والبكاء ، ولم تكن حرمت بعد.
فنظر لها الرسول (ص) وقال : ما قلت يا أم حارثه ؟
فقالت وهي تدافع عبراتها : ما سمعت يا رسول الله. إن كان في الجنة صبرت وإن كانت الأخرى فليرين الله ما أصنع....
فنظر الرحيم الشفيق إليها فإذا هي عجوز قد هدها الكبر وأضناها التعب، قد طال شوقها إلى ولدها وقد كبر سنها ورق عظمها واحتبس صوتها في حلقها ، وهي تنظر ماذا يجيبها الذي لا ينطق عن الهوى
فقال : ويحك يا أم حارثه !! ويحك يا أم حارثة ،أوجنة واحده ؟؟! ...إنها جناااااااااان ... وإن حارثه قد أصاب الفردوس الأعلى                                  
  فلما سمعت العجوز هذا الجواب ، جف دمعها وعاد صوابها
فقالت : يا رسول الله : في الجنة ؟؟    قال : نعم .فقالت : الله أكبر
فرجعت ، والتزمت بيتها ، ترتقب أن يجمعها الله بولدها ، دون طلب غنيمة أو مال
------------------------------------ 
** قال ابن كثير في سيرته بعد ذكره قصة أم حارثة وحوارها مع النبي عليه الصلاة والسلام في شأن حارثة :
   وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر ، فان هذا الذي لم يكن في بحبوحة القتال ، بل كان في النظارة من بعيد ، وإنما أصابه سهم وهو يشرب من الحوض ، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان ، فإذا كان حال هذا فما ظنك بمن كان واقفاً في نحر العدو ، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عدداً وعُدداً.
--------------
** تمناها حارثة فأعطاها الله له :
ففى الحديث الذى أخرجه البزار ، والبيهقي (وإن كان فيه مقال):
   عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إِذِ اسْتَقْبَلَهُ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ ؟ " فَقَالَ أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ تَعَالَى حَقًّا ، قَالَ : " انْظُرْ إِلَى مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، فَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوُونَ فِيهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَصَبْتَ فَالْزَمْ ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لِي بِالشَّهَادَةِ ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
---------
عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ) رواه مسلم
وأخيرا : ماذا قدمنا لندخل الجنة ؟
هؤلاء قدموا الأرواح ، قاموا الليل ،وغير ذلك
إِعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَا رِضْوَانُ خَازِنُهَا = الْجَارُ أحمَدُ والرَّحْمنُ بَانِيْهَا
أَرْضٌ لَهَا ذَهَبٌ والمِسْكُ طِيْنَتُهَا = والزَّعْفَرانُ حَشِيْشٌ نَّابِتٌ فِيْهَا
أَنْهَارُهَا لَبَنٌ مَّحْضٌ ومِنْ عَسَلٍ = والخَمْرُ يَجْرِي رَحِيْقًا في مَجَارِيْهَا
والطَّيْرُ تَجْرِي على الأَغْصَانِ عَاكِفَةً = تُسَبِّحُ الله جَهْرًا في مَغَانِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِي قُبَّةً في العَدْنِ عَالِيةً = في ظِلِّ طُوْبَى رَفِيْعَاتٍ مَبَانِيْها
دَلاَّلُها المُصْطَفَى والله بَائِعُها = وجُبْرَئِيْلُ يُنَادِي في نَوَاحِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِيْ الدّارَ في الفِرْدَوْسِ يَعْمُرَها= بِرَكْعَةٍ في ظَلاَمِ اللّيْلِ يُخْفِيْهَا
أَوْ سَدَّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشِبْعَتِهِ = في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ عَمَّ الغَلاَ فِيْهَا
فَاغْرِسْ أُصُولَ التُّقَى ما دُمْتَ مُقْتَدِرًا = واعْلَمْ بِأَنّكَ بَعْدَ المَوْتِ لاَقِيْهَا
تَجْنِي الثِّمَارَ غَدَاً في دَارِ مَكْرُمَةٍ = لاَ مَنَّ فِيْهَا ولا التَّكْدِيْرُ يَأْتِيْهَا
فِيْهَا نَعِيْمٌ مُقِيْمٌ دَائِمًا أَبَدًا = بِلاَ انْقِطَاعٍ ولا مَنٍّ يُدَانِيْهَا
الأُذْنُ والعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ ولَمْ تَرَهُ = ولَمْ يَدْرِ في قُلُوبِ الخَلْقِ مَا فِيْهَا
فَيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذا حَصَلَتْ = ويَا لَهَا مِنْ نُفُوسِ سَوْفَ تَحْوِيْهَا
ثُمَّ الصَّلاَةُ على المَعْصُومِ سَيِّدِنَا = أَزْكَى البَرِّيةِ دَانِيْهَا وقَاصِيْهَا

الخميس، 18 أكتوبر 2012

العدل أساس الْمُلْك


العدل أساس الْمُلْك   
  بقلم الأستاذ / محمد الشحات          
  قتادة بن النعمان وبنو أبيرق نموذجا
موقفنا اليوم ، لا تستقيم الحياة بدونه ، ولا تستقر العروش والممالك والسلطات بغيره ، موقف نحتاجه في حلنا وترحالنا ، في سرائنا وضرائنا ، في أفراحنا وأتراحنا....موقف بعنوان "
ولا تكن للخائنين خصيما"  حقا:  نحتاج لأن نكون عادلين منصفين ، نقولُ الحق ولو على أنفسنا, موقفنا موجه خاصة :
1-           للمحامين
2-           للكتاب
3-           للإعلاميين
4-           للقضاة
5-           للحكام
-----------------------------------------------------------
   آيات مباركات حكت لنا قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً.. وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛
    ففي الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة، على الإسلام والمسلمين؛.
    في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب؛ ويؤلبون المشركين؛ ويشجعون المنافقين، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة؛
 - في هذا الوقت الحرج، كانت هذه الآيات تتنزل، على رسول الله  لتنصف رجلاً يهودياً، اتهم ظلماً بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده...!
والقصة التي رويت من عدة مصادر :
أن نفراً من الأنصار - قَتادة بن النعمان وعمه رِفاعة بن زيد - غزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته. ففى يوم سُرِقت درع رِفاعة. فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم : بنو أبيرقٍ : بِشْرٌ وَبَشِيرٌ،وَمُبَشِّرٌ،وكان َبَشِيرٌ رجلاً مُنافقاً ، يقول الشعر يهجوا به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسبه لبعض العرب! 
فقال رِفاعة لقَتادة : ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له . 
      قال قَتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أهل بيتٍ منا أهلَ جفاءٍ ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيدٍ فنقبوا مشربةً له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا علينا سلاحنا ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( سآمر في ذلك ) ، فلما سمع بنو أبيرقٍ أن قتادة ذهب واشتكى ، عمد السارق وهو َبَشِيرٌ إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد ابن السمين . وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلقوا  فقالوا : يا رسول الله ، إن قَتادة بن النُّعمان وعمه عمدا إلى أهلِ بيتٍ منا ، أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ ، يرمونهم بالسرقة من غير بينةٍ ولا ثَبَتٍ . يا نبي الله: إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علماً. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. ولما عرف رسول الله أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس
     لما علم قتادة بذهاب بني أبيرق لرسول الله ، ذهب إليه فكلمه، فقال له النبي: (عمدت إلى أهل بيتٍ ذُكر منهم إسلامٌ وصلاحٌ ، ترمهم بالسرقة على غير ثبَتٍ ولا بينةٍ ) ، قال : فرجعت ولودِدتُ أني خرجتُ من بعض مالي ، ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله المستعان
فلم نلبث أن نزلت الآيات من سورة النساء:
(( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ ( بني أبيرقٍ ) خَصِيمًا ( مدافعا) * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ ( أي مما قلت لقتادة ) كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا *))105 -113 سورة النساء.
     فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة
المستفاد من القصة :
 (1) - هذا القرآن العظيم أنزله الله تعالى شفاء ورحمة للمؤمنين، وجعله الله تعالى موعظة، وحكمة، وحكماً لقوم يوقنون،  وحري بالمسلم أن يتجول في آيات القرآن؛ لينظر فيمن نزلت وأين نزلت، وكيف نزلت، وبماذا نزلت ليأخذ العبرة.( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)
(2) – فعل القبيح أو قوله من طعن في الدين ثم نسبه للغير
 من طرق المنافقين في ترويج الباطل،والطعن في الإسلام،كما كان يفعل بشير
 (3) - يُلجأ إلى الإمام لاسترداد الحق؛ لأن المجتمع المسلم لا يأخذ أي إنسان فيه حقه بيده ، وإلا صارت فوضى، ولذلك ذهب قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه ويشكو إليه، ويستنجد به، ويطلب منه رد الحق لأهله
(4) - الحاكم أو القاضي يحكم بالظاهر، وإذا لم توجد بينة فالأصل البراءة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، "أي أنا أقضي بالظاهر" فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) وهذا ما فعله الرسول حين برأ بني أبيرق
(5) على من يستشعر الكرب أن يطلب العون من الله ويوقن بالفرج:
    لما رجع قتادة إلى عمه وفيه من الكرب والشدة والحزن ما الله به عليم، فأخبره بما قال له رسول الله ، فقال عمه: "الله المستعان" حيث اجتمع عليه سرقة طعامه وسلاحه، وعدم تصديق دعواه. وأسوته فى ذلك يعقوب عليه السلام لما جاءوه بالمؤامرة: "وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ "
 فلم يلبث أن نزل القرآن تنزل النعمة في الوقت المناسب
(6) -  استنبط العلماء أن على القاضي، والمفتي، والعالم إذا حكم أن يستغفر؛ لأنه لا يخلو من تقصير "لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ"، ثم قال: "وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ"، وهكذا الاستغفار بعد الصلاة، وفي الحج
 بعد الأعمال الجليلة، لأن الإنسان لا يخلو من تقصير،
(7) - كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة
"وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا"،  درس عظيم للمجادلين عن المنافقين والخونة، درس عظيم للمحامين عن أهل الباطل ، لمن يعمل في مهنة المحاماة ، لمن يكتبون المقالات ، فلا نلتمس الأعذار للطاعنين فى الإسلام والغامزين له واللامزين
(8) – الله يفضح من يستحقون الفضح
قال بعض السلف:" إذا عُثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات"، يعني أن الله لا يفضح عبده من أول مرة، أمر عمر بقطع يد سارق فجاءت أم السارق تبكي وتقول: هذه أول سرقة يسرقها فاعف عنه، فقال لها: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وفعلا تبين ذلك من الرجل نفسه
 (9) – باب التوبة مفتوح للجميع :
 بالرغم مما حدث ، دعا الله تعالى هؤلاء للتوبة فقال:" وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا "
    جاءت امرأة إلى عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه تقول: إنها تستفتي عن امرأة زنت فحملت سفاحاً، فلما ولدت قتلت وليدها، ماذا لها؟ قال: تسأليني ماذا لها؟ لها النار، فولت تبكي، فدعاها، فقرأ عليها قول الله: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، قال: ولا أحسبها إلا أتت بأحد هذين، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فمسحت عينيها وولت.
(10) - فعل الخطأ ورمي الأبرياء به من كبائر الذنوب وموبقاتها
ثم قال الله:" وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا "كما فعل بنو أبيرق اكتسبوا الخطيئة والإثم بالسرقة ثم رموا به بريئاً ، وتعظم الجريمة إن كان من يرمى بالخطيئة من أهل الخير والصلاح وذلك لتشويه سمعتهم، وإسقاطهم في المجتمع، وصرف الناس عنهم،  قال بعض السلف: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"، أي أهل الحديث والسنة. وجاء فى رواية الترمذي أن بني أبيرق رموا بالسرقة صحابيا جليلا هو " لَبيدَ بن سهل"  فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيفُ أو لتبينن هذه السرقة ، قالوا : إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها"
     " فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا " ، لأن الفاعل في هذه الحالة قد جمع عدة مفاسد، كسب الخطيئة والإثم أولاً، ثم رمي به من لم يفعله، والكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من أشياء قد تلحق بالأبرياء، كما حدث يوسف لبث في السجن بضع سنين نتيجة اتهامات كاذبة: "مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : ، مع أنه لم يرد بها شراً، بل هي التي أرادت،وكان محافظاً على عرض سيده الذي أحسن مثواه
وأخيرا :
  -  إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله - إنما كانت أكبر من ذلك. كانت :
(أ)-إقامة ميزان العدل الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية.
(ب)-تطهير المجتمع ؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه
(جـ)-عدم إعطاء اليهود سهماً جديداً يوجهونه إلى الأنصار. وهو أن بعضهم يسرق بعضاً، ثم يتهمون اليهود!
----------------------------
    بذلك اتضح كيف كان القرآن يتنزل ليتربى به المجتمع فيرقى ويسمو. فهلا جعلنا القرآن منهجنا وشرعتنا ودستورنا !!!