الخميس، 18 أكتوبر 2012

العدل أساس الْمُلْك


العدل أساس الْمُلْك   
  بقلم الأستاذ / محمد الشحات          
  قتادة بن النعمان وبنو أبيرق نموذجا
موقفنا اليوم ، لا تستقيم الحياة بدونه ، ولا تستقر العروش والممالك والسلطات بغيره ، موقف نحتاجه في حلنا وترحالنا ، في سرائنا وضرائنا ، في أفراحنا وأتراحنا....موقف بعنوان "
ولا تكن للخائنين خصيما"  حقا:  نحتاج لأن نكون عادلين منصفين ، نقولُ الحق ولو على أنفسنا, موقفنا موجه خاصة :
1-           للمحامين
2-           للكتاب
3-           للإعلاميين
4-           للقضاة
5-           للحكام
-----------------------------------------------------------
   آيات مباركات حكت لنا قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً.. وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛
    ففي الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة، على الإسلام والمسلمين؛.
    في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب؛ ويؤلبون المشركين؛ ويشجعون المنافقين، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة؛
 - في هذا الوقت الحرج، كانت هذه الآيات تتنزل، على رسول الله  لتنصف رجلاً يهودياً، اتهم ظلماً بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده...!
والقصة التي رويت من عدة مصادر :
أن نفراً من الأنصار - قَتادة بن النعمان وعمه رِفاعة بن زيد - غزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته. ففى يوم سُرِقت درع رِفاعة. فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم : بنو أبيرقٍ : بِشْرٌ وَبَشِيرٌ،وَمُبَشِّرٌ،وكان َبَشِيرٌ رجلاً مُنافقاً ، يقول الشعر يهجوا به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسبه لبعض العرب! 
فقال رِفاعة لقَتادة : ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له . 
      قال قَتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أهل بيتٍ منا أهلَ جفاءٍ ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيدٍ فنقبوا مشربةً له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا علينا سلاحنا ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( سآمر في ذلك ) ، فلما سمع بنو أبيرقٍ أن قتادة ذهب واشتكى ، عمد السارق وهو َبَشِيرٌ إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد ابن السمين . وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فانطلقوا  فقالوا : يا رسول الله ، إن قَتادة بن النُّعمان وعمه عمدا إلى أهلِ بيتٍ منا ، أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ ، يرمونهم بالسرقة من غير بينةٍ ولا ثَبَتٍ . يا نبي الله: إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علماً. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. ولما عرف رسول الله أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس
     لما علم قتادة بذهاب بني أبيرق لرسول الله ، ذهب إليه فكلمه، فقال له النبي: (عمدت إلى أهل بيتٍ ذُكر منهم إسلامٌ وصلاحٌ ، ترمهم بالسرقة على غير ثبَتٍ ولا بينةٍ ) ، قال : فرجعت ولودِدتُ أني خرجتُ من بعض مالي ، ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله المستعان
فلم نلبث أن نزلت الآيات من سورة النساء:
(( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ ( بني أبيرقٍ ) خَصِيمًا ( مدافعا) * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ ( أي مما قلت لقتادة ) كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا *))105 -113 سورة النساء.
     فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة
المستفاد من القصة :
 (1) - هذا القرآن العظيم أنزله الله تعالى شفاء ورحمة للمؤمنين، وجعله الله تعالى موعظة، وحكمة، وحكماً لقوم يوقنون،  وحري بالمسلم أن يتجول في آيات القرآن؛ لينظر فيمن نزلت وأين نزلت، وكيف نزلت، وبماذا نزلت ليأخذ العبرة.( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)
(2) – فعل القبيح أو قوله من طعن في الدين ثم نسبه للغير
 من طرق المنافقين في ترويج الباطل،والطعن في الإسلام،كما كان يفعل بشير
 (3) - يُلجأ إلى الإمام لاسترداد الحق؛ لأن المجتمع المسلم لا يأخذ أي إنسان فيه حقه بيده ، وإلا صارت فوضى، ولذلك ذهب قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه ويشكو إليه، ويستنجد به، ويطلب منه رد الحق لأهله
(4) - الحاكم أو القاضي يحكم بالظاهر، وإذا لم توجد بينة فالأصل البراءة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، "أي أنا أقضي بالظاهر" فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) وهذا ما فعله الرسول حين برأ بني أبيرق
(5) على من يستشعر الكرب أن يطلب العون من الله ويوقن بالفرج:
    لما رجع قتادة إلى عمه وفيه من الكرب والشدة والحزن ما الله به عليم، فأخبره بما قال له رسول الله ، فقال عمه: "الله المستعان" حيث اجتمع عليه سرقة طعامه وسلاحه، وعدم تصديق دعواه. وأسوته فى ذلك يعقوب عليه السلام لما جاءوه بالمؤامرة: "وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ "
 فلم يلبث أن نزل القرآن تنزل النعمة في الوقت المناسب
(6) -  استنبط العلماء أن على القاضي، والمفتي، والعالم إذا حكم أن يستغفر؛ لأنه لا يخلو من تقصير "لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ"، ثم قال: "وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ"، وهكذا الاستغفار بعد الصلاة، وفي الحج
 بعد الأعمال الجليلة، لأن الإنسان لا يخلو من تقصير،
(7) - كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة
"وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا"،  درس عظيم للمجادلين عن المنافقين والخونة، درس عظيم للمحامين عن أهل الباطل ، لمن يعمل في مهنة المحاماة ، لمن يكتبون المقالات ، فلا نلتمس الأعذار للطاعنين فى الإسلام والغامزين له واللامزين
(8) – الله يفضح من يستحقون الفضح
قال بعض السلف:" إذا عُثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات"، يعني أن الله لا يفضح عبده من أول مرة، أمر عمر بقطع يد سارق فجاءت أم السارق تبكي وتقول: هذه أول سرقة يسرقها فاعف عنه، فقال لها: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وفعلا تبين ذلك من الرجل نفسه
 (9) – باب التوبة مفتوح للجميع :
 بالرغم مما حدث ، دعا الله تعالى هؤلاء للتوبة فقال:" وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا "
    جاءت امرأة إلى عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه تقول: إنها تستفتي عن امرأة زنت فحملت سفاحاً، فلما ولدت قتلت وليدها، ماذا لها؟ قال: تسأليني ماذا لها؟ لها النار، فولت تبكي، فدعاها، فقرأ عليها قول الله: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، قال: ولا أحسبها إلا أتت بأحد هذين، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فمسحت عينيها وولت.
(10) - فعل الخطأ ورمي الأبرياء به من كبائر الذنوب وموبقاتها
ثم قال الله:" وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا "كما فعل بنو أبيرق اكتسبوا الخطيئة والإثم بالسرقة ثم رموا به بريئاً ، وتعظم الجريمة إن كان من يرمى بالخطيئة من أهل الخير والصلاح وذلك لتشويه سمعتهم، وإسقاطهم في المجتمع، وصرف الناس عنهم،  قال بعض السلف: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"، أي أهل الحديث والسنة. وجاء فى رواية الترمذي أن بني أبيرق رموا بالسرقة صحابيا جليلا هو " لَبيدَ بن سهل"  فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيفُ أو لتبينن هذه السرقة ، قالوا : إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها"
     " فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا " ، لأن الفاعل في هذه الحالة قد جمع عدة مفاسد، كسب الخطيئة والإثم أولاً، ثم رمي به من لم يفعله، والكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من أشياء قد تلحق بالأبرياء، كما حدث يوسف لبث في السجن بضع سنين نتيجة اتهامات كاذبة: "مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : ، مع أنه لم يرد بها شراً، بل هي التي أرادت،وكان محافظاً على عرض سيده الذي أحسن مثواه
وأخيرا :
  -  إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله - إنما كانت أكبر من ذلك. كانت :
(أ)-إقامة ميزان العدل الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية.
(ب)-تطهير المجتمع ؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه
(جـ)-عدم إعطاء اليهود سهماً جديداً يوجهونه إلى الأنصار. وهو أن بعضهم يسرق بعضاً، ثم يتهمون اليهود!
----------------------------
    بذلك اتضح كيف كان القرآن يتنزل ليتربى به المجتمع فيرقى ويسمو. فهلا جعلنا القرآن منهجنا وشرعتنا ودستورنا !!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق