السبت، 8 يونيو 2013

كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه



قصة أبي محجن الثقفي

لمن هذا الموقف :    
1- لكل صاحب خطيئة
2- للدعاة والمربين
3- للقادة والمسئولين
الموقف :
    قصة تأخذنا إلى مدى بعيد في حكمتها ، ففيها نتكلم عن شخصية  محبة للدين ، مضحية له 
   فارسنا : صحابي جليل، أحد الأبطال ، وأحد الشعراء الكرماء في الجاهلية والإسلام، أسلم سنة 9هـ، ورَوى عدة أحاديث . وكان منهمكاً في شرب النبيذ، فحده عمر مراراً. ومع ابتلائه يريد رفع راية لا اله إلا الله.
   إنه أبو محجن الثقفي،  هذا  الصحابي الجليل الذي كان يأخذ معه أم الخبائث إلى الجهاد ولكن ما الذي جرى!!!..
   وإسناد القصة صحيح ، كما في الإصابة لابن حجر
    أبو محجن الثقفي رجل من المسلمين بل ومن الصحابة ، ابتلي بشرب الخمر .. وطالما عوقب عليها ويعود ..ويعاقب ويعود ..بل من شدة تعلقه بالخمر يوصي لابنه ويقول:
إذا مُتُّ فادفِنِّي إِلى جَنبِ كَرمَةٍ**تُرَوّي عظامي بعد موتي عُروقُها
ولا  تَدفِنَنّي بالفلاةِ  فإنّني     ** أخافُ إذا ما مُتُّ  أن لا أذوقُها     
    فلما تداعى المسلمون للجهاد ولقتال الفرس في معركة القادسية خرج معهم أبو محجن..وحمل زاده ومتاعه ..ولم ينس أن يحمل خمرا..دسها بين متاعه ..فلما وصلوا القادسية .. وبدأت المراسلات بين الجيشين.. وسوس الشيطان لأبي محجن فاختبأ في مكان بعيد وشرب الخمر..فلما علم به سعد غضب "إنا لله وإنا إليه راجعون" جندي على مشارف القتال يؤتى به سكران، ما هي عقوبته؟
   عقوبته يحرم من المشاركة في المعركة. وكانت هذه عقوبة أليمة وأمر أن يقيد بالسلاسل ويغلق عليه في خيمة ، لأن الحدود لا تقام في أرض العدو .
       فلما ابتدأ القتال وسمع أبو محجن صهيل الخيول ..وصيحات الأبطال ..لم يُطق أن يصبر على القيد ..واشتاق للشهادة..بل اشتاق إلى خدمة هذا الدين..وبذل روحه لله ..وإن كان عاصيا..وإن كان مدمن خمر..إلا أنه مسلم يحب الله ورسوله. المهم ، فتحركت أشواقه للموت وللشهادة وللقتال فوثب ليشارك فقال له القيد في رجله: مكانك
وأخذ يترنم قائلا:
يُقَطِّع قلبي حسرةً أن أرى الوغى**ولا سامعٌ صوتي ولا من يَرَانيا
وأن أشهدَ الإسلام يدعو مُغَوِّثاً   ** فلا أُنجدَ الإسلام حينَ دعانيا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة    ** وقد تركوني واحدا لاأخى ليا
   ثم أخذ ينادي بأعلى صوته إلى أن يلتفت إلى زوجة القائد سعد وكانت تسمى سلمى ،ويناشدها أن تطلق سراحه ليشهد المعركة معلناً توبته قائلا هذه الابيات:
سُلَيْمى دعيني أروِسيفي من العدا**فسيفيَ أضحى وَيْحَهُ اليومَ صاديا دعيني أَجُلْ في ساحةِ الحربِ جَوْلَةً ** تُفَرِّجُ من همّي وتَشفي فؤاديا فلله عهد لا أحيف بعهده           ** لإن فُرِّجْتُ لا أزور الحوانيا
   ثم أخذ ينادي بأعلى صوته..!!
فأجابته امرأة سعد (سلمى) ماذا تريد؟
فقال: فكي القيد من رجلي وأعطني البلقاء فرس سعد، فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد وإن بقيت فلك علي عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في رجلي، وأخذ يرجوها ويناشدها حتى فكت القيد وأعطته البلقاء ، فلبس درعه وغطى وجهه  ، ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس ..وألقى بنفسه بين يدي الكفار ..
وحمل على القوم برقابهم بين الصفين برمحه وسلاحه، وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه بالنهار.. ومضى أبو محجن يقاتل ويبذل روحه رخيصة في ذات الله عز وجل ..     أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال .. لكنه كان يرقب القتال من بعيد .. فلما رأى أبا محجن عجب من قوة قتاله ، وقال الضرب ضرب أبي محجن والكر كر البلقاء ، وأبو محجن في القيد ، والبلقاء في الإسطبل..!!
   فلما انتهى القتال عاد أبو محجن إلى سجنه ووضع رجله في القيد. ويأتي قواد المعركة يقدمون التقارير لسعد، فإذا به يسأل من الفارس الذي رأيته كأبي محجن ضربا على فرس كالبلقاء؟       ويأتيه الجواب من سلمى : ذلك أبو محجن وتلك البلقاء، أما كان في القيد؟  بلى  ولكن كان من شأنه كذا وكذا.
     فيكبر سعد رضي الله عنه ، ويقوم خال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي محجن يفك بيديه الطيبتين القيود من رجل أبي محجن ويقول: قم فو الله لا أجلدك في الخمر أبدا. فقال أبو محجن، سبحان الله أما الآن فو الله لا أشربها أبدا.
-------------------------
المستفاد من القصة :
(1) - هنا سعد رضي الله عنه لم يبطل عنه الحد، فلا يظن هذا بسعد. ولكنه درأ عنه الحد  لما أتى به من حسنات غمرت هذه السيئة الواحدة.
 ولا سيما وقد ظهرت منه معالم التوبة النصوح وذلك بإصراره على الذهاب للقتال ، فلا يظن بمسلم يصر على ذلك،أي يقبل على الموت، ثم يقوم بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد بعد  ذلك أنه لم تصدق توبته.ومن ثم فقد استحق أن يوهب له حده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فقال هل صليت معنا هذه الصلاة قال نعم قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك
   - وإذا كان الله لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى
    وفي سنن النسائي عن علقمة ابن وائل عن أبيه أن امرأة وُقِعَ عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا به يقودونه إليها فقال أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فلم تعترف بما قال ، فأتوا به نبي الله صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنه الذي وقع عليها ، فقال إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت كذب هو الذي وقع علي قال النبي صلى اله عليه وآله وسلم انطلقوا به فارجموه فقام رجل من الناس فقال لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة فقال أما أنت فقد غُفِر لك وقال للذي أغاثها قولا حسنا فقال عمر ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال لأنه قد تاب إلى الله

 (2) – لا تنظر للعاصي على أنه شر محضا لاخير فيه:
  فلله در أبي محجن .. لم تمنعه معصيته من الجهاد في سبيل الله
سامح أخاك إذا خلط    * *  منه الإصابةَ بالغلط
وتجاف عن تعنيفـه     * *  إن زاغ يوماً أو قسط
واعلم بأنك إن طلبت    * *مهذباً رمت الشطـط
من ذا الذي ما ساء قط * * ومن له الحسنى فقط
(3)- المعصية لا تمنعك من العمل لدين الله والجهاد في سبيله
{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق