الأربعاء، 15 مايو 2013

حسن العشرة



حسن العشرة
                                                              خروج النبي للبقيع
لمن :
-    لكل زوج يتأسى بالحبيب فيتعلم كيف يعامل زوجته
-    لكل زوجة زكية تفوت الفرص على الشيطان كي لا يصطاد فى الماء العكر
الموقف
      فى هذا الموقف تلقى صدر عائشة رضي الله عنها ضربةٌ قويّةٌ من يد النبي – صلى الله عليه وسلم -فآلمتها وأوجعتها، لكن تلك الضربة– ويا للعجب– كانت أحبّ إليها من أي شئ آخر 
     والسؤال:1-  ما الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام يقدم على هذا الفعل؟،        2- ولماذا هان الألم على زوجته وأحبّ الناس إليه؟، وفوق ذلك:   3- كيف استطاعت أم المؤمنين بفطنتها وحنكتها أن تستثمر الموقف وتدير دفّته لينتهي بتقرير أحكامٍ عظيمة وفوائد جليلة، تعود نفعها على الأمّة إلى قيام الساعة؟
    --** لإدراك أبعاد الموقف علينا معرفة تفاصيله من البداية، وأصل القصة فى صحيح مسلم : فحين أرخى الليل سدوله والنبي – صلى الله عليه وسلم – مستلقٍ على فراشه بجوار عائشة رضي الله عنها، يظنها مستغرقةً في نومها، انسلّ من بين يديها، ثم انتعل حذاءه وأغلق الباب وراءه وهو حريصٌ على ألاّ يصدر صوتاً يوقظها.
     والذي لم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلمه، أن زوجته كانت تتصنّع النوم وتتظاهر به، وتبصره من طرف لحافها وهو يخرج من البيت، وحدّثتها نفسها عن سرّ خروجه عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الليلة الليلاء، أحاجةٌ ماسّة؟ أم لقضاء حاجةٍ في نفسه؟
     - فنهضت إلى ردائها، مدفوعةً بحرارة الغيرة لتتبع أثره ، وظلّت تسير خلفه حتى رأته يدخل البقيع ، وهى المقبرة القريبة من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وبها قبور أصحابه، فوقف بين ساكنيها، ومكث فيها طويلاً يرفع يديه حيناً ويخفضها أخرى.
     - وبينما عائشة رضي الله عنها تراقب النبي – صلى الله عليه وسلم – من بعيد ، إذ بالنبي عليه الصلاة والسلام يستدير متّجهاً صوب بيته، فسارعت بالعودة كي لا يراها، لكنها بدأت تلحظ أن خطواته عليه الصلاة والسلام آخذةٌ بالتسارع،  لكنّها رضي الله عنها كانت أسرع منه، فاستطاعت أن تسبقه إلى البيت فتخفّفت من ثيابها واستلقت على فراشها تتظاهر بالنوم،!
     - لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – اكتشف أمرها بسهولة، وحاصرها بالأسئلة حتى اعترفت أنها كانت تتبعه من بعيد
فقال : "مالك يا عائش "لأن صوت نفسها كان مرتفعا من أثر المشي السريع
قلت: لا شيء
قال: لتخبريني أو ليخبرنّي اللطيف الخبير
 قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرتُهُ
فقال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي ؟
قلت: نعم
   - وهنا ضربها النبي عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة في صدرها ضربة خفيفة معاتباً لها على فعلها، ثم قال : (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟) أي هل ظننت أني أظلمك بالذهاب إلى زوجاتي الأخرى في ليلتك
قالت:  "مهما يكتم الناس يعلمه الله؟
قال:  نعم
قال: فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، فناداني فأخفاه منك،(أي: الصوت) فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم
       - ويُختتم الموقف بمحاولة ذكيّة في إخراج الحوار من قضيّة العتاب إلى قضيّة السؤال والتعلّم، فبادرت بالاستفسار عن السنّة القولية عند زيارة القبور
 فقالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟
 فكان الجواب : (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)
-----------------------------
دروس وعبر
1-  درس العمليّ قدّمه النبي –صلى الله عليه وسلم – لأمته في حسن العشرة ومراعاة المشاعر، من خلال خشيته في إيقاظ زوجته وحرصه على الخروج بهدوء، وبالرغم من هذه الرّقة المتناهية والحنان البالغ، نجده لا يتردّد في معاتبة عائشة رضي الله عنها بالقول والفعل، وليس هناك تناقضٌ بين الموقفين، بل هو تعامل مع كلِّ منهما بما يُناسب
 2-  التأديب يجب أن لا يخرج عن نطاق المقبول شرعا، فلا يكسر سنّاً، أو ينكأ جرحاً، أو غير ذلك مما جاء تحريمه.
   السيدة عائشة قالت "فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي" و اللهد "، هو الدفع في الصدر وهو لا يرقى أن يكون في درجة الضرب الحقيقي ، بل ذكر في " لسان العرب " أن من معاني " اللهد " : الغمز  . بل كانت تلك " اللهدة " أسلوبا من أساليب التعليم والتربية. ومما يدل على أن هذه " اللهدة " لم تكن على سبيل الضرب والإيجاع ، إنما على سبيل التعليم والتنبيه : استكمال الحوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عائشة رضي الله عنه
3-  ضرورة العدل بين الزوجات في الأوقات، والحاجة تُقدّر بقدرها
4- مراعاة آداب الدعاء: استحباب إطالته، رفع اليدين أثناء ذلك
5-  تعلم ما يقال عند زيارة المقابر وهو: ( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ).
6- مشروعيّة زيارة  المقابر ليلاً ، إذ المقصود الاتعاظ والذكرى، والدعاء للميّت بالمغفرة والرحمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق